|
عبد السّلام العطاري ... بين مخالب حُبّ إنانا |
|
|
هذا ما جادت به الموجة فأسكرتنا شعرا عذبا سلسبيلا.. هكذا تتحرك الحروف طيعة على بياض مشرع لكل الروعة المنثالة لكل الاحتمالات التي ترى في الحرف و لا شيء غير الحرف دافعا لمزيد من الحياة... إنه ضيف الحوار الفلسطيني المبدع المتألق الذي عرفناه، الإنسان الرائع، القلم النازف و الحرف البهي إنه المبدع الأستاذ عبد السلام العطاري، ننطلق اليوم في محاولة الاقتراب منه أكثر ما يمكن. |
|
|
ما ذَنْبُ أَنْ يَجِفَّ نَبْعُ مَليمِ التّعَبِ وتَعْلَقَ النّظَراتُ على رفوفِ الحوانيتِ وتَكْتظَّ الشهوةُ التي تلعقُ شهوةَ الألعابِ وتَهْدرَ أَقنِيةُ الدمعِ على أَسيلِ الطفولةِ لننسى خُطىً تَحملُنا إلى آخرِ الشهرِ والانتظارِ ونقراتٍ على دفةِ مفاتيحِ الحاسوبِ التي تطيرُ.. تطير؟ متى تَكتُبُ عَنْ رَصيفِ المَصرفِ وتستعجلُ الفائتَ مِنْ جُوعِنا أو تَرسمُ خطواتٍ تسبقُنى إلى برِّ الله ومواسمِ الحَجَل؟ 1- *أخي عبد السلام هل تذكر نصك الأول؟ ما هي ظروفه ؟ ولم اختيار فعل الكتابة في البداية؟ اشكر الزميلات والزملاء على تلك الرغبة التي تحملني وإياهم إلى حديث آمل كما يأملون أن نخرج من خلاله بعصف ذهني عالي الصوت وأكثر وضوحاً. بالنسبة لنصّي الأول ، جاء نتاج وعي طفل في أسرة لها وعيها الوطني والسياسي المختلط بوعي الثقافي، ووسط أشقاء وشقيقات ينعفون كتب عن تجارب سياسية وثقافية خاصة بحركات التحرر العربية والعالمية وكذلك أدبياتها ونصوصها، لذا وجدتني اكتب الخاطرة المحبّة للأرض وللمرأة التي وجدتها في ثوب أمي المحرّضة على الانتماء لغراس أرضنا ... وكانت تلك النصوص التي ما زلت أجهل أو يجهل صديقي الذي احتفظ أثناء اعتقالي ومازال عبر السنوات يواعدني بها، لذا كان الظرف المكاني والزماني هو الذي شكّل فعل الكتابة في البدء. 2- *:لماذا أنت شاعر؟
هو السؤال السهل الممتنع الشائك المتشابك أحياناً مع رغوة السؤال المختلط بزبد الإجابة التي يصعب فكها وتفكيكها. 3- *لمــن تكتب؟ اسمح لي أن أجيبك بما كنت قد سُئلت عنه من قبل صديقنا العزيز الشاعر محمد حلمي الريشة من خلال كتابه لحظة الإشراقة البيت الأول من القصيدة وهو على هذا النحو: (ألقُ الفكرةِ ...ألق الشهوة ، تواطؤ أمام اشراقتها الشعور، الذي ينقلني من عوالم المادة والجسد، إلى عوالم أكثر اشتهاءً للروح وأكثر نضرة وأبعد بصيرة. اللحظة، التي يرتعش لها الجسد منتفضا ليحتوي مكامن القوة والضعف، القوة، قوة استجماع واستنهاض الفكرة حين تتملكني وأصبح أسير وحدتها وبغتتها، أسير اللحظة، التي تأتي طيفا جميلا، أتسمر أمام دهشتها، منتصبا أمام رغبتها بإعلان ثورة الحرف، الذي أُجيّش له كل مقومات البداية. الضعف، ضعف وانهيار إمام جمال الإشراقة، الانهيار الكامل لحصن القلعة المنيعة، وانهزام جند الحراسات، وتواطئهم مع نسمة تحمل الق الفكرة، الق الشهوة، المنبعث من رحيقها، والانصياع أمام غواية مشاعر ومضة تبرق من عينيها الإغريقيتين، لتأخذني إلى حالة انهماك شديدة، إلى انعتاق وتحرر رخي لذيذ، لتكون الولادة الأولى للقصيدة). 4- * القضية الفلسطينية، هذا الجرح الملامس شرايين القلب.. الساكن فينا إلى النصر. ما مدى الأثر الذي تركه هذا الجرح في عبد السلام الشاعر و الإنسان ، و هو المكتوي بهذه النار أكثر منا ، والأقرب إلى معاناة أطفالنا وشبابنا هناك، تحت طلقات المدافع، و شرارة الظلم، و عذاب صمت الأقربين؟ بالتأكيد سيكون لهذا الجرح نزيفه المتدفق ليكون مداد شعرنا الذي نكتب ، وليس النزيف الذي يميت ، نعض على الجرح لنقاوم الوجع ونشرب الشمس بكؤوس من فخّار ونمضي إلى شرفة تطل على غدنا... النهار يأتي طواعية لمن يحب الحياة بكرامة والليل يطول سواده لمن رغب العيش بذلة، أطفالنا يكبرون على فجيعة الأرض المسلوبة وعلى فجيعة الواقع العربي المنهك التعب الذي لا حول له ولا قوة، أطفالهم يحلمون ببحر وعشب وغبار الأزهار وأطفالنا يعيشون صيف الاحتلال اللافح ونقع الحياة الصعب ويرسمون الأمل على جبهة الظهيرة المرّة القاسية، فتعرق متصببة روحنا التي تتوقد للحرية وتتطلع إلى فجر ندِيٍّ طريٍّ جميل، هكذا كنت طفلاً وهكذا أمسيت يافعاً وها أنا أغدو إلى باكرة النهار لا أثر على جبهتي من غبار الحياة إلاّ أن أقول هذا وطننا وهذا قدرنا وعلينا أن نعيشه حباً وحياة وحكاية جميلة. 5- *تداعيات المرحلة في فلسطين على الأدب الفلسطيني وعلى الأديب..من الناحية النفسية والإبداعية...؟ كان للمرحلة والوضع الراهن الذي آلت إليه القضية الفلسطينية ودخولها في منحنيات ومفترقات خطيرة آخرها ما شهدناه في غزة كلها تترك تأثيرها السلبي على المبدع ليس الفلسطيني فحسب وإنما المبدع الشقيق والصديق الذي اصطف وصفّ نصه من أجل القضية القومية عربياً والأممية عالمياً ، والناحية النفسية ترتبط ارتباطاً كلياً مع الحالة الإبداعية، ما بين التفكير في تطوير النص وما بين التفكير في الحفاظ على ما تبقى من عقل نتيجة حالة التدهور وخاصة أن المثقف الفلسطيني وأقولها دون حرج قد هُمّش دوره وسلبت مكانته في فترة ما بعد منتصف التسعينيات وخاصة بعد دخول أجندة غربية وغريبة على حالته الثقافية والإبداعية من حيث الاستقطاب والاصطفاف مما أدى إلى حالة من العسكرة الثقافية والمواجهة بين أطراف تسعى على أن تكون الثقافة السد المقاوم حين انفلت السياسي اتجاه التسوية وما بين فريق أخذ يتعاطى مع الآخر ليس بصفته النقيض وإنما الشريك على حساب تاريخنا وثقافتنا الأصيلة. 6- *في يوم ما كانت للشعر تلك القوة المؤثرة؛ حين كانت ترافق الحروب ومن ثم _ في زمن لاحق_ المسيرات والمظاهرات والاحتفالات الوطنية؛ هل تؤمن بقوة مماثلة للشعر الآن تجعلنا أقل بلادة وأكثر حماسة؟ في حوار سابق لي كان ذات السؤال تقريباً... وأنت تعلمين كما نعلم هنا على الأرض كيف كان للشعر وللرواية وللحكاية تأثيرها كمحرك للفعل وكمحرك للحياة والتغيير ، ولعل النكسة والإحباط والنكوص الذي أصاب المثقف الفلسطيني أولا اتجاه قضيته وما آلت إليه ، وما رافقها من نتائج سياسية لم تكن على قدر المقولة الأدبية خلقت حالة من القول أنه لم يعد، أو لم يعد هناك من يؤمن بقوة الشعر كمحرك ومحرّض لتحريك الجمهور والشارع والسياسي،،، وكذلك ما شهدته المنطقة العربية من حالة استفراد أدت إلى سقوط عواصم عربية وأدت إلى خنوع الأخرى لحالة الفردية القطبية .. كلها تصب في اتجاه سؤالك المنطقي والمفترض ... دعينا نتفق أن نبقي على حالة من الأمل بأن النص سيأخذ مجراه ويشقه من جديد و يعيد الاعتبار إلى مجد الشعر والشعراء..... ربما هو الحلم، يا أحلامُ .. والأحلام المشروعة تتحقق .. لا بد أن تتحقق. 7- *أظن أن القضية الفلسطينية أخذت حقها من الشعر سواء من خلال الشعراء الفلسطينيين ولا أقول هنا أنني أدعو إلى الكف عن الكتابة عن القضية الأولى للعرب ، ولكن أخاف أن نذهب في الشعر طويلا دون أن نحقق شيئا على صعيد المجالات الأخرى كالمجال السياسي مثلا . طبعا تبقى القضية هي أم القضايا ويبقى الشعر العربي في خدمتها من الضروريات التي تحتم علينا تذكرها ، فأين عبد السلام العطاري من القضية ليس شعريا ولكن فكريا وسياسيا؟ قبل أن أكون في الشعر أو الكتابة ، تشكل وعيي الثقافي السياسي لنتيجة حتمية للظرف الذي نعيشها تحت الاحتلال ، لذا كبرت ونشأت على العمل السياسي كناشط في هذا المجال وربما اختلفت عن بعض زملائي من إيماني - على رأي الشهيد الأديب غسان كنفاني -" أن البندقية الغير مسيسة قاطعة طريق" ومن هنا ومن تجربتي في العمل الحزبي والتنظيمي كنت اشتغل على نفسي كما احب ان أقول من خلال القراءة والإطلاع والمعرفة ، فعملت وما زلت حتى اللحظة في السياسة، فانا السياسي الذي لا يغلّب دوره على الثقافي ، واعتبر الثقافي هو الطريق المنير للسياسي ، لذلك اعتقلت عدة مرات وتدرجت في العمل التنظيمي أي اعتقد أن عمري في هذا المجال قد تجاوز الـ 25 عاما ، مع بعض الاختلاف عن غيري ا حيث لا اقبع تحت أيدلوجية ورؤية اعتبر من خلالها أن كل ما دون وجهة نظري ورؤيتي خاطئة . على الصعيد ذاته أنا عضو في اللجنة المركزية لأحد الأحزاب الفلسطينية وعملت فترة طويلة كرئيس لأحد المنظمات الشبابية الحزبية الفلسطينية بالإضافة إلى أنشطة وعضوية أخرى في العمل السياسي، ولكن... ولكن .. لو سألتني أو خيرتني كيف أحب أن أعرّف نفسي؟؟ لقلت لك كاتب وشاعر على كل تلك المسميات والألقاب وادعوك للنظر إلى بعض من سيرتي الذاتية هنا. 8- *لماذا لم يأخذ الشاعر العطاري حقه من الشهرة كما الشعراء الفلسطينيين الآخرين؟. بما في ذلك الشاعر الكبير عز الدين المناصرة. هل الإعلام هو السبب ؟. أم المتابعة النقدية التي تركز على أسماء دون غيرها؟. أنا أسال ذات السؤال، ليس وحده عز الدين المناصرة الذي ظلم في هذا - إن كنت تعني أن أستاذنا المناصرة قد لحقه الظلم والتغييب ؟؟- نعم اتفق أن المتابعة النقدية هي انتقائية وكنت قد شرعت منذ مدة بالكتابة حول هذا الموضوع ، أن بعض النقّاد قد اشتغلوا فقط على البعض نتيجة لعلاقة خاضعة لسياسة ( التلميع) ولا أخفيك أمراً أن السياسي الفلسطيني قد لعب هو أيضا في مسألة التمييز والاختيار ، هناك شعراء غيّبوا وهم قامات عالية مثال ، الشاعر المناضل خالد أبو خالد والشاعر المناضل يوسف الخطيب والمفكر والشاعر عبد اللطيف عقل وحسين البرغوثي وشعراء من فلسطين المحتلة العام 1948، وغيرهم يا صديقي وربما اعتبر نفسي في ذيل قائمة هؤلاء القامات المبدعة . .. ولكن الآن وفي هذا الأثناء التي أجيبك عليها نعمل في بيت الشعر الفلسطيني على تجميع أعمالهم وطبعاتها بشكل يعيد الحد الأدنى من الاعتبار لهم ولدورهم ، ودعني اهمس لك شيئاً انه للأسف في فلسطين كشعراء لنا خطنا الذي لا يروق للبعض ومن هنا ندخل في قائمة التهميش والتغييب... ولا أعتقد أن الأمر سيطول .. ناهيك عن مسألة أننا هنا في فلسطين المحتلة لم يكن يتاح لنا التحرك والاحتكاك كبقية أو بعض الشعراء الذين نالتهم الشهرة وسطوة الاسم الذين كانوا في الشتات أو في البلدان العربية وأتيحت وفتحت لهم نوافذ وأبواب الاحتكاك مع الجمهور العربي ومع المثقف العربي ، وربما أن العودة إلى أرض الوطن بعض إقامة السلطة الوطنية وظهور الانترنت بدأت الصورة تختلف وفتح لنا نحن- الدواخل- المجال وخاصة من خلال الانترنت كي نعرّف بهويتنا الشعرية وبلغتنا وبوجهات نظرنا، ولا بد صديقي أن نشكر العولمة أن جاز لنا شكرها على ما سمحت به لنا رغم تناقضنا مع الكثير من مفاهيمها... 9- *كيف توازن بين الإبداع والسياسة؟ أذكرك مرة أخرى انه في حالتنا التي نحن عليها الآن قد واشدد على كلمة قد بأنه لا يمكن التزاوج بين السياسة والإبداع، مع إقراري أن السياسة علم وهي فن الممكن، والسياسية مراوغة ودهاء وحيلة ! ولكن كان ذلك على عكس ما كان في فترة الحكم العربي الإسلامي حيث كان المبدع هو الحاكم أليس كذلك ؟؟ وحتى قبل الإسلام ، في العهود الرومانية والإغريقية واليونانية والفارسية ، كان النظام السياسي يقوم على العلم والمعرفة حتى في زمن المغول الذين عرفوا بالهمجية والوحشية كانوا على علم ومعرفة في محاربة العلماء والمبدعين ، لأنهم يعلمون أن العلم والإبداع هو الذي يهدد وجودهم ، لذلك احلم بصراحة وتخيلي معي نظام سياسي يقوم عليه المبدعون كيف سيكون شكله وحقيقته، لو كان الأمر كذلك لا أظن وصلنا إلى ما وصلنا إليه ، وعندك الأمين والمأمون أبناء الرشيد كمثال لا حصر. 10- *." لواقع الاقتصادي المربوط من كعبه ومن ذيله في اتفاقات وعلاقات تجعل منه الاقتصاد الذي لا يحيى ولا يموت " وهذا قياس على كل محاور مكونات الواقع العربي الراهن يأتي نتيجة لنسق ومصالح أجندة دول التحكم أو دولة التحكم في العالم والسؤال ألا تعتقد أن الرابط للذيل والكعب أعلم بالذي ستؤول إليه الأمور من فوضى وخراب في حال انعدمتْ الروابط ( الاتفاقات والعلاقات )؟؟ سؤال ينمّ عن خبرة ودراية بحالة وواقع بات ميؤوس منه، من واقع اقتصادي مرير كما أعدت القول، ولكن لا يعني ذلك أن/ أو نشرّع الأبواب للتغيير وفق إرادة بوش أو إرادة أجندة العولمة التي تخدم النقيض ألإحلالي، ولعل الحكمة تقول حكم جبري أفضل من حكم متهاون ومهادن لا يجلب غير الخراب وهناك من الأمثلة التي لم يتسنى لنا نسياها شاهدة وواضحة في وطننا العربي، ودعيني لا ابتعد عن هنا عن واقع ما بعد أسلو والاتفاقية الاقتصادية التي فرح لها البعض في أول الأمر لنكتشف إنها عبارة عن سلاسل وقضبان تنهش من رسغ أقدامنا أكثر من جوع قد يلحق بنا لو رفضنا ذلك ، وها هي أيضا اتفاقات باريس 1 و2 3 التي يتهالك عليها بعض جوعا الحكم على حساب الكرامة والحياة، ولعل الشاعر يذكرنا بمقولة " لا تسقني كأس الحياة بذلة بل اسقني بالعز كأس الحنظل. وطالما نحن شعراء وأدباء نظن أنها حكمة بليغة المعنى تحمل من حصانة القول ما يجعلنا أن نفرق بين بطش نظام نسعى لتغييره بأدواتنا وبين واقع نسعى للإستقواء بالأجنبي على تغييره وبشان الراهن وما نحن عليه ، أظن أن من يتحمل المسؤولية هو المثقف الذي بات يعجز عن تحريك الشارع لا بفكره ولا بقلمه ، ولا أريد أن نبقى على تعليل الحالة بأن الواقع والوضع الراهن وما إلى ذلك من مفاهيم في مسألة التسليم تحت يافطة سياسة الأمر الواقع ، ولا نبقى نعلق عجزنا نحن كمثقفين على شمّاعة الآخرين أو النظام ، لذلك المثقف بوعيه ، والوعي لدوره ومكانته ، والشاعر الذي يقول شعره فقط من أجل التصفيق كما الحال عليه الآن عليه أن يقبع تحت سرير نومه إذا لم يكن لشعره رسالة وقضية تحرك وتحرر الظلم وعليه أن يتحمل عواقب البطش والحرمان طالما هو شغل هذه المهمة وهذا ما يندرج على كل أصناف الأدب والثقافة ، وأنت ونحن نعلم أن دورنا فقط هو نثر ونشر وذر أعمالنا الأدبية دون أن نحدد المجتمع والشارع والجمهور المستهدف من أعمالنا، لذلك حتى يكون هذا الحوار مثمراً كما قلت علينا أن نعيد تقييم وتقويم دورنا كأدباء ومثقفين ، وأنا اتفق وأتفهم حالة السؤال الملحّ والموجع الذي تحملينه. 11- *أنت فلسطيني ومن عائلة مناضلة، من الأقرب إليك من شعراء الثورة الفلسطينية، ومن الأقرب إليك من شعراء النضال والحرية في العالم؟ دائما أحاول أن ابتعد عن تحديد الشاعر كشخص أو كفرد اسميه بعينه ، ودائما ما أحب أن اقترب من النص وأجيب أن النص هو الأقرب إلي من كاتبه ، ولكن لا بأس أن أجبت أن هناك من أحببت فيهم حرقتهم على مصائر الأمة وقضيتها ... كالشاعر مظفر النواب، والمرحوم توفيق زيّاد والراحل الفذَ راشد حسين، وصلاح جاهين ، ومن شعراء الثورة والهم الإنساني أذكر خوسية مارتي الذي يعتبر الأب الروحي للثورة الكوبية واللاتينية وآرنستو كاردينال شاعر الثورة الساندانستية وأتمنى قريباً أن أتفرغ للتعريف بهم هنا في إنانا كي يعرف البعض أن هؤلاء قامة شعرية مناضلة عايشوا النضال وكتبوه وليس كبعض من عاش الترف وتغنى بهمّ الجماهير والمقاومة دون أن ينغرس فيها أو يعيشها أو يعرف عنها وعن وجعها وألمها. 12- * أنت شاعر مبدع، متى تشعر بالفخر لكونك شاعرا ومتى تتمنى أنك لم تكن شاعرا؟ لم أفكر حتى اللحظة بالندم ، ولكن هناك بعض الوساوس التي تجعلني أفكر بحالة الإحباط وفقدان الأمل عندما أجد أن الشعر الذي يحمل قضية وهم الناس لا يعني أصحاب الأجندة الخاصة شيئاً،ولكن يعنيهم سيلان وتدفق نصوص الجنس والتعمير والتغريب التي تمجّد على حساب نصوص شعراء الهم الإنساني، خدمة إلى سلب ونهب وقتل ثقافتنا الأصيلة. 13- * هل تجد تناقضا بين أن يكون المرء شاعرا ومبدعا وبين أن يكون ملتزما، وما الاستحالة في الجمع بين الاثنين؟ الشعراء المبدعون لا يحكمهم غير الإبداع، ولا يخضعون إلاّ لوجدانهم النفرّي الذي يمتلك ناصية القول ، وليس أي قول غير الحقيقة التي تمتلكها بصيرتهم وانشدادهم إلى صيرورة الحسن البصري وزهد الغفاري ، هولاء هم الشعراء الذين لا هم لهم غير رسالتهم الشعرية و الإنسانية ، فالأنسنة هي التي تجعل الالتزام وإبداعهم على ترابط وتراصّ لا ينقص منه شيئا. 14- *كرجل سياسة أين تموقع قضية فلسطين ...هل هو صراع ديني ...أم صراع اقتصادي...أم هو اعم من ذلك بحيث هو صراع حضاري؟ صديقي عزيزي سؤال يحتاج أيضا إلى حديث يطول وكتابة تطول أيضاً ولكن باختصار ما أود قوله أن المنعطفات التي مرت بها القضية الفلسطينية ولنقل المسألة الفلسطينية منذ انهيار دولة الخلافة العثمانية فعليا أي قبل سياسة التتريك التي لا علاقة لها بمفهوم دولة الحكم ودولة النظام الإسلامي العربي أحياناً.. وأصبحت فلسطين محطة أو هدفاً للتكالب الغربي بوصف عام والحركة الصهيونية العالمية كانت مسيحية أم يهودية بشكل خاص حيث كلنا نعلم أن أول من وعد اليهود بوطن قومي ديني على ارض فلسطين هو نابليون بونابرت قبل وزير الخارجية البريطانية آنذاك (بلفور) والوعد الذي قام على أساس تاريخي ديني قبل أن يكون له أبعاده التي عليها نحن الآن، فالصراع على التاريخ وعلى الأحقية لمن الأرض وليس على حقول قمح ولا حدود جغرافية نهائياً ، وقصيدة دوثان التي ذكرتها في ديواني الأخير تحمل تلك المضامين أي أنّ تل دوثان المملكة الكنعانية التي وجدت قبل 4500 سنة قبل الميلاد لم يفلح اليهود بأن يثبتوا حقهم كما يدعون بان هذه الأرض توراتية تلمودية وقلت فيه حين عجزوا سرقوا الاسم كما الأسماء الأخرى التي سلبت وكما الثقافة الأخرى التي يحاولون سلبها ونهبها وسلب تراثنا وتاريخنا الكنعاني الفلسطيني... ولعل من الجدير أن أشير هنا بمثال بسيط على سياسة السلب والنهب للتراث والتاريخ حين قررت شركة الطيران الإسرائيلية أن ترتدي مضيفات الشركة الثوب الفلسطيني المطرز في ذات الوقت وللأسف يرتدين مضيفات شركات الطيران العربية (_الميكرو جب والمني جب)... هذا مثال بسيط وقِسْ على ذلك من أمثلة ... لهذا فإن الصراع تاريخي أكثر منه جغرافي أو اقتصادي. 15- *كيف ترى الصراع الداخلي الدائر حاليا في فلسطين.بين الإخوة الأعداء، خصوصا إذا ما آمنا أن الخاسر الأكبر من هذا الصراع هو الشعب الفلسطيني و القضية الفلسطينية عموما؟ كما قلت أنت الخاسر الوحيد هو شعبنا الذي ما زال يرزح تحت نير وبؤس الاحتلال ، ليكتحل بالرمد من كحل بارود كان لغيره للأسف ، والرؤية هنا يلفها الضباب ، والبوصلة التي كانت تشير إلى الحرية أظنها قد اضطربت الآن ولا تعرف وجهتها ، أتمنى أن نخلص ونتخلص من أن نكون أجندة صراع وتصفية حسابات دولية تنهي حساباتها على أرضنا من أجل مصالحها. 16- * يقول احد الكتاب العالميين..بان الكتاب هو اختراع علمي جبار، هل يمكن للنت أن يعوضنا عن حميمية الكتاب؟ رغم إشغالي رئاسة إتحاد كتّاب الانترنت العرب في فلسطين وأحد - ربما - مفاصل الاتحاد العام لكتّاب الإنترنت العرب ، إلاّ أنني أعود وأكد كما قلت في حوارات سابقة أنه لم يحن بعد أن ننعى الكتاب الورقي وما زال الكتاب له مذاقه وطعمه ونكهته الخاصة والفريدة. 17- * إلى أي مدى يقف البعد الديني و الأخلاقي حاجزا أمام حرية الإبداع؟ صديقي عزيز لنقل بصراحة ووضوح أن النص الشعري أو الكتابي الذي يخلو من قضية ورسالة توعوية تنموية أساسها رفعة ونهضة وإعلاء شأن الثقافة العربية فهو نص خالٍ من القيمة والمعنى مهما كانت لغته وجرسه وشكل وبنيته، وأنا شخصياً ضد النصوص التي تخرج عن سياقها الأخلاقي والديني وفقط هدفها مس الدين كدين والأخلاق كأخلاق ... ولكن لا يعني أني أغلق على نفسي ولا أتعامل معها كقارئ ، وكما أشير أيضاً إلى مسألة عدم التباهي كما يفعل البعض في نصوصهم العارية من الأخلاق والقيمة الإنسانية وإنما علينا بصراحة أن نكتب من أجل الأجيال ووعيها ونحن كما تعلم في حرب سلب ونهب لثقافتنا وأذهب معك بصراحة أن هناك مؤسسات دولية وظيفتها تشجيع ( تعهير ) الثقافة وسلب معناها وقيمتها وأصبحت تندرج تحت قائمة ( الإرهاب) وهنا حالة اذكرها أن بيت الشعر الفلسطيني ومن خلال تصديه لهذه السياسة ودعوته لثقافة حرة واعية هدفها الإنسان العربي المتمسك بقيمه النبيلة وبتاريخه الأصيل وتراثه الإنساني العميق منذ كنعان حتى اللحظة يواجه سياسة التركيع والتجويع ولكن نعمل بجهد وبما توفر لنا من إمكانات كي نبقى على الرسالة الثقافية الأصيلة المتجددة والمجددة لثقافتنا وفق رؤيتنا ومنهجنا لا وفق ما تريده الأجندة الغربية التي تعبث فينا. 18- *الضدّ النوعيّ لحرية الإبداع؟ الظلم والقهر والاستبداد.. تلك النقيض لحرية الإبداع، ناهيك عن الضد الذي نحمله في دواخلنا نتيجة تلك العوامل التي أحيانا تستقر في لحظة نتيجة مقاومتنا لذاك الفعل الممنهج الذي يمارس على المبدع الحقيقي. 19- * كثر القيل و القال عن صراع المشرق و المغرب لا سواء في مجال الفلسفة , ولا في مجال الإبداع الأدبي.. ما رأيك؟ كما ذكرت في سياق ما تقدم وحتى لا أطيل مرة أخرى ... إن أساس الصراع أساسه ثقافي وصراع على الوعي والمفهوم، وصراع على أسس لمن الحضارة اليوم ولمن التاريخ اليوم.. لذلك مرة أخرى علينا أن نجند وعينا وثقافتنا لصقل الأجيال كي تكبر على ثقافة ناضجة نظيفة خالية من شوائب الحداثة الغربية وعلينا أن نصنع حداثتنا نحن على أسس متينة تكون قادرة على مواجهة فلسفة الغرب التي تتعامل معنا من خلال نفي تاريخنا وثقافتنا وحضارتنا ، قبل أن توجد أمريكا كانت حضارات بلاد الرافدين وكنعان تصنع مجد بزوغ الأمم التي تلتها وقبل أن تعرف باريس معنى الحياة كانت بغداد ومن قبلها دمشق وغرناطة واشبيلية قد صنعت الحياة وصدّرتها إلى عالم غبي واعني ما أقول عالم ينتقص من قيمتنا نتاج أنظمة غائبة عن وعي شعوبها ومستيقظة على ضوء غرف نوم الغرب. 20- *من بين وظائف الخطاب الشعري(كتواصل لغوي)،وحسب جاكوبسون: الوظيفة التأثيرية؛في نظرك إلى أي حد يمكن للشعر أن يؤثر في المتلقي العربي الآن،وان يساهم في توجيه وتأطير قيمه وسلوكياته وتمثلاته ،وبالتالي التأثير في قراراته الفردية والمجتمعية؟ السؤال ربما يطول الحديث عنه وحوله ولكن دعني اختصر الجواب بالمرور السريع على أصل وظائف الشعر منذ أن عاب أفلاطون على الشعراء أوهامهم وأحلامهم واستبعاده من المشاركة في سيادة النظام كذلك إلى أرسطو الذي ربط الشاعر والشعر بالطبيعة الإنسانية وصولاً إلى الشعر الجاهلي ووظائفه وكذلك ما بعد الجاهلية وفي صدر الإسلام التي كانت لكل مرحلة شعرية وظيفتها، كل هذا لأصل إلى أن الشعر في المرحلة الزمنية الحالية قد فقد وظيفته الحقيقية من حيث التأثير في المتلقي العربي ، ومردّ ذلك ليس ا |